السيد محمد حسين فضل الله

63

من وحي القرآن

يا نوح لا تبتئس من قومك وانتهت مهمة نوح في الدعوة ، فقد استنفذ كل التجارب والأساليب ، فلم يؤمن له إلا نفر من قومه ، أما الباقون فقد ازدادوا تمردا وطغيانا ، فلم ينفع ترغيب معهم أو ترهيب ، بحيث لم يبق أمل في هدايتهم وإيمانهم ، وجاء دور العذاب . . . ولكن اللَّه أراد أن يعلن ذلك لنوح بأسلوب ينعش روحيته ولا يشعر معه بالهزيمة ، أو بالتقصير ، لقيامه بمهمته كنبيّ خير قيام ، وصبره علي ما لا يملك عليه أحد صبرا خلال مسيرة دعوته التي امتدت طويلا ، امتداد عمره ، دون تأفف أو ضجر ، ولم يسقط أمام كل تحديات الكفار . وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ من كفر وعصيان لأنّك قد أقمت عليهم الحجة بمختلف الوسائل ، ويسّرت لهم كل سبل الهداية فامتنعوا عن السير فيها ، وبذلك فإنهم يتحملون مسؤولية أفعالهم كلها ، فلا تتعقّد من جهتك الشخصية ، لأنك لم تقصر ، ولا من جهتهم فهم لا يستحقون الرحمة ، التي رفضوا إسباغها عليهم في ظل الالتزام بدين اللَّه ، ولا تلتفت إلى كل هذا التاريخ الشاقّ الملئ بالجهد والمعاناة ، فقد أدّيت رسالتك ، وقمت بمهمتك خير قيام ، ولم يبق عليك إلا أن تساهم في الإعداد لمرحلة العذاب ، استجابة لطلب اللَّه في نطاق قدرتك . نوح يصنع الفلك وَاصْنَعِ الْفُلْكَ أي السفينة بِأَعْيُنِنا أي برعايتنا ، باعتبار أن عمله كان بنظر اللَّه بحيث لا يستطيع أن يمنعه أحد من ذلك وَوَحْيِنا في ما أمره اللَّه ، وفي ما علّمه من طريقة الصنع ، ومهّد له من تبيان وسائله ، وَلا تُخاطِبْنِي فِي